محمد بن جرير الطبري

45

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وذلك أنه قد كان خافهم وخافتهم أيضا كما خافهم إبراهيم ؛ فلما أمنت ضحكت ، فأتبعوها البشارة بإسحاق . وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع ضحكت ، فأتبعوها البشارة حاضت من ثقة . وذكر بعض أهل العربية من البصريين أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم أن العرب تقول ضحكت المرأة : حاضت ، قال : وقد قال : الضحك : الحيض ، وقد قال بعضهم : الضحك : العجب ، وذكر بيت أبي ذويب : فجاء بمزج لم ير الناس مثله * هو الضحك إلا أنه عمل النحل وذكر أن بعض أصحابه أنشده في الضحك بمعنى الحيض : وضحك الأرانب فوق الصفا * كمثل دم الجوف يوم اللقا قال : وذكر له بعض أصحابه أنه سمع للكميت : فأضحكت الضباع سيوف سعد * بقتلى ما دفن ولا ودينا وقال : يريد الحيض . قال : وبالحرث بن كعب يقولون : ضحكت النخلة : إذا أخرجت الطلع أو البسر . وقالوا : الضحك : الطلع . قال : وسمعنا من يحكي : أضحكت حوضا : أي ملأته حتى فاض . قال : وكأن المعنى قريب بعضه من بعض كله ، لأنه كأنه شيء يمتلئ فيفيض . وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بالصواب قول من قال : معنى قوله : " فضحكت " : فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلته عنه . وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم : لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم : لا تخف ، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط . القول في تأويل قوله تعالى : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ يقول تعالى ذكره : فبشرنا سارة امرأة إبراهيم ثوابا منا لها على نكيرها وعجبها من فعل قوم لوط بإسحاق ولدا لها . وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ يقول : ومن خلف إسحاق يعقوب من ابنها إسحاق . والوراء في كلام العرب : ولد الولد ، وكذلك تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، قال : وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : الوراء : ولد الولد حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثني ، قال كل واحد منهما : حدثني أبو اليسع إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة مولى الأشعري ، قال : كنت إلى جنب جدي أبي المغيرة بن مهران في مسجد علي بن زيد ، فمر بنا الحسن بن أبي الحسن ، فقال : يا أبا المغيرة من هذا الفتى ؟ قال : ابني من ورائي ، فقال الحسن : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثني ، قالا : ثنا محمد بن أبي عدي ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، في قوله : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : ولد الولد هو الوراء حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد ، عن داود ، عن عامر ، في قوله : وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال : الوراء : ولد الولد حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، مثله . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو عمرو الأزدي ، قال : سمعت الشعبي يقول : ولد الولد : هم الولد من الوراء حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ومعه ابن ابنه ، فقال : من هذا معك ؟ قال : هذا ابن ابني ، قال : هذا ولدك من الوراء . قال : فكأنه شق على ذلك الرجل ، فقال ابن عباس : إن الله يقول : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ فولد الولد : هم الوراء حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما ضحكت سارة وقالت : عجبا لأضيافنا هؤلاء ، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا قال لها جبريل : أبشري بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب . فضربت